حِكَم الإمام علي في تربية الأبناء: قراءة حديثة تعيد إحياء أخلاقيات الأبوّة في زمن الفوضى الرقمية

 


شارك البحث الموسوم «حِكَم الإمام علي (عليه السلام) ومدى تطبيقها في أخلاقيات التربية الأبوية الحديثة» للباحثة م.م. رنا جابر الحميدي من المديرية العامة لتربية محافظة القادسية في أعمال المؤتمر العلمي الرابع لإحياء تراث أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي نظّمه مركز المرايا للدراسات والإعلام برعاية العتبة العباسية المقدّسة مؤخرًا، مقدّماً رؤية تربوية معاصرة تستلهم من تراث الإمام علي (عليه السلام) في تربية الأطفال وأخلاقيات الأبوّة والأمومة.

تؤكد الباحثة في مستهل دراستها أن مرحلة الطفولة المبكرة تُعدّ الأهم والأكثر حساسية في تكوين شخصية الإنسان وإدراكه واستعداده للتعلّم، فهي الأرض الأخصب لغرس البذرة الأخلاقية والقيمية، وهو ما تنسجم معه كلمات الإمام علي (عليه السلام) حين يشبّه قلب الطفل بـ«الأرض الخالية» أو «التربة الخصبة» التي تقبل ما يُزرع فيها من أخلاق ومفاهيم وقيم.

البحث يسعى إلى مقاربةٍ علمية حديثة بين حكم الإمام علي (عليه السلام) في التربية الأبوية وبين أبرز نظريات النمو والتعلّم في علم النفس التربوي المعاصر، مثل أطروحة «الصفحة البيضاء» للفيلسوف جون لوك، ونظرية النمو المعرفي لعالم النفس جان بياجيه، إلى جانب ما توصّلت إليه دراسات حديثة في التعلّق العاطفي، والتنشئة الاجتماعية، والتطوّر الانفعالي لدى الطفل.

وتبيّن الدراسة أن ما يطرحه الإمام علي (عليه السلام) من رؤى تربوية – كاعتبار الطفل أمانةً إلهية، ووجوب الرحمة به، واحترام خصوصية مرحلته العمرية، والتدرّج في التوجيه، والقدوة العملية قبل القول – يتوافق في جوهره مع ما تؤكد عليه الأبحاث النفسية اليوم من أهمية التربية بالحب، وبناء الثقة، وتعليم الطفل من خلال الممارسة والنموذج السلوكي، لا من خلال الأوامر المجردة فحسب.

كما يتوقّف البحث عند عدد من النصوص العلوية الخالدة ذات الصلة بالتربية، مثل قوله (عليه السلام): «إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته»، وما يرتبط بحقوق الطفل في حسن التسمية، وحسن التأديب، وتعليمه القرآن والعلم، وضرورة مراعاة اختلاف الأجيال كما في قوله: «لا تُكرِهوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». وترى الباحثة أن هذه النصوص تمثّل منظومة متكاملة لأخلاقيات التربية الأبوية يمكن أن تُقرأ اليوم في ضوء ما توصّلت إليه العلوم الحديثة.

وتخلص الدراسة إلى أن حِكَم الإمام علي (عليه السلام) تشكّل إطارًا تربويًا إنسانيًا عالميًا، لا يقتصر على البيئة الإسلامية أو الزمان الذي قيلت فيه، بل يمتد ليقدّم حلولًا واقعية لتحديات التربية في العصر الحديث، حيث تتزاحم المؤثرات الرقمية والثقافية على تشكيل وعي الطفل وشخصيته. ومن هنا تدعو الباحثة إلى دمج هذا التراث التربوي العلوي في مناهج إعداد المعلّمين والآباء والأمهات، وفي برامج الإرشاد الأسري، بوصفه نموذجًا ثقافيًا متوافقًا مع الهوية، وقابلًا في الوقت نفسه للتقاطع الإيجابي مع نظريات التربية الحديثة.

وبمشاركة هذا البحث في المؤتمر العلمي الرابع لإحياء تراث أمير المؤمنين (عليه السلام)، يواصل مركز المرايا للدراسات والإعلام جهوده في ربط التراث العلوي بالأسئلة التربوية والفكرية الراهنة، وإبراز ما يختزنه هذا التراث من طاقة أخلاقية ومعرفية قادرة على الإسهام في بناء أسرة معاصرة متوازنة، وأبناءٍ أصحّاء نفسيًا وقيميًا، يجمعون بين روح الإيمان وأدوات العلم الحديث.

 

 

أحدث أقدم