يؤكد مقال لمعهد واشنطن أن الإمارات كانت على مدى سنوات
"الشريان الاقتصادي"
الخلفي لإيران، إذ استخدمتها ايران بوصفها مركزاً لإعادة الشحن والصيرفة الخفية والتمويل. ويستند المقال إلى أرقام رسمية اميركية مفصلة:
353 كياناً إماراتياً خضع لعقوبات أمريكية (ربع إجمالي العقوبات المتعلقة بإيران عالمياً)، و27
مليار دولار حجم التجارة غير النفطية بين البلدين خلال عامي 2023-2024، و6.4 مليارات دولار من الأموال المرتبطة بالصيرفة الخفية الإيرانية مرّت عبر الإمارات عام 2024 وحدها
(71% من الإجمالي العالمي). ويخلص المقال إلى أن وقف الإمارات تبادلها التجاري والمالي مع إيران في أغسطس
2026 خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يكفي ما لم تُفكك شبكات الشركات الواجهة، ويُحذر من عقوبات أمريكية أشد إذا لم تتحرك الإمارات بنفسها، مع ترجيح قدرة أبوظبي على إقناع دبي عبر ضغط سياسي واقتصادي.
ربع العقوبات الأمريكية تمر عبر الإمارات
تكشف الأرقام الأمريكية الرسمية حجم الاعتمام الإيراني على هذا الباب. فمنذ بدء حملات العقوبات، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على
353 كياناً مرتبطاً بالإمارات لسلوك مالي غير مشروع متصل بإيران، أي ما يقارب ربع إجمالي التصنيفات الأمريكية المرتبطة بإيران في العالم.
ولا تتفوق على الإمارات في هذا المجال سوى الصين بواقع 469 كياناً، وهما رقمان مرتبطان أصلاً، إذ إن كيانات كثيرة في الإمارات تقدّم خدمات مصرفية وإعادة شحن خفية لصالح تجار صينيين. وفي العام 2025 وحده، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ما لا يقل عن
154 كياناً يتخذ من الإمارات مقراً. وبلغ الاعتماد الإيراني حداً جعل ترامب نفسه يصف الإمارات في آذار
(مارس) 2026 بأنها باتت أشبه بـ"مصرف إيران".
27 مليار دولار تجارة مشروعة... وقناة تمويل غير مشروعة
بلغت التجارة غير النفطية بين إيران والإمارات أكثر من
27 مليار دولار خلال عامي 2023 و2024، وفق ما ذكر المقال. لكن الحقيقة الأعمق ليست في أرقام التبادل المشروع المعلن، بل في النظام الموازي الذي نشأ حوله. فقد خلص تحليل لوزارة الخزانة الأمريكية إلى أن الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، سجلت في عام
2024 وحده أكبر حجم من
"الأموال المحتملة للصيرفة الخفية"
المرتبطة بإيران على مستوى العالم، بقيمة
6.4 مليارات دولار تمثل 71% من الإجمالي العالمي، فيما استقبلت نحو 5.6 مليارات دولار (62% من الإجمالي). وبلغت الدرجة التي تغوّل فيها الأموال في البنية التحتية الإماراتية بحيث إن:
·
42% من الأموال المنقولة مرت عبر المناطق التجارية الحرة؛
·
40% عبر مركز دبي التجاري للسلع المتعددة (DMCC)؛
·
58% تدفقت عبر شركات برية مقرها دبي، كان
95% منها شركات ذات مسؤولية محدودة، و86%
منها على الأرجح شركات وهمية.
هذه الأرقام تفسر كيف ظلت إيران قادرة على التحايل على جدار العقوبات: فعبر شركات واجهة في النفط والشحن والاستثمار، وعبر بيوت الصرافة الإيرانية التي تدير شبكات تجارية متعددة، حولت طهران عائدات نفطها الخاضع للعقوبات إلى عملة صعبة وسلع، وتمويل لميليشياتها. وقد صنّفت وزارة الخزانة الإمارات، إلى جانب عُمان والعراق، ضمن الدول
"المعروفة بتمويه منشأ الشحنات الإيرانية". أما في اليمن، فقد أوضح بيان أمريكي أن إيران تبيع النفط للحوثيين وتمنحهم شحنة شهرية مجانية عبر شركات مقرها دبي، مما يدر على الجماعة أكثر من ملياري دولار سنوياً.
من تسهيل التجارة إلى كونها هدفاً
السخرية التاريخية في هذه العلاقة أن الإمارات، البوابة التي مكّنت إيران من التنفس اقتصادياً، كانت أكثر دولة استُهدفت خلال النزاع الأخير، إذ تعرضت لهجمات بأكثر من 530 صاروخاً باليستياً و26
صاروخاً كروزاً و2200 طائرة مسيرة، إضافة إلى استهداف نحو عشرين سفينة تابعة لشركة أبوظبي الوطنية للبترول.
وهو ما دفع المستشار أنور قرقاش إلى الإعلان منذ نيسان (أبريل)
أن سياسات الاحتواء تجاه طهران
"قد فشلت"، وأن الإمارات أمام
"إعادة تقييم مهمة" لعلاقتها بإيران.
وكان التتويج العملي لذلك إعلان أبوظبي في
19 آب (أغسطس) 2026 وقف
"جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر"، بعد اتصال جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بمستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد.
لماذا لا يكفي التجميد؟
غير أن المقال يحذر من أن وقف التجارة وحده إجراء شكلي ما لم تُفكك الآلة الفعلية للتمويل.
ففي اليوم التالي مباشرة لإعلان التجميد، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على شبكة تهريب نقدي نقلت مئات ملايين الدولارات إلى فيلق القدس وحزب الله عبر رحلات جوية تجارية مرّت بالإمارات، في دليل على أن الشبكات لا تزال عاملة.
كما أن معظم الأنشطة غير المشروعة تتركز في دبي تحديداً، ما يستدعي من القيادة الوطنية في أبوظبي الضغط على قادة دبي
— وهو ما سبق أن نجحت فيه أبوظبي عام 2008 حين استخدمت خطة إنقاذها المليارية لدبي للضغط على المدينة كي تحد من روابطها مع طهران، فيما عُرف آنذاك بـ"معركة دبي".
الخيار البديل: عقوبات أشد
إذا لم تتحرك الإمارات بنفسها، فإن البديل الأمريكي قاسٍ، إذ يمكن لوزارة الخزانة تصعيد الأمر عبر تصنيف التحويلات الدولية التي تشمل شركات وهمية إماراتية مرتبطة بالصيرفة الخفية الإيرانية بوصفها
"مثار قلق أساسي لغسل الأموال" بموجب المادة 311 من قانون باتريوت، ما يعني عزلاً مصرفياً واسعاً للنظام المالي الإماراتي ذاته.
لطالما شكّلت الإمارات،و ليس العراق بموانئها الحرة وشركاتها الوهمية وبيوت صرافتها، الجسر الذي عبث منه النظام الإيراني نحو سلاسل التوريد والمصارف العالمية، وموّل به حروبه بالوكالة وحتى في وجه دول المنطقة نفسها. واليوم، وبعد أن تحولت طهران من شريك تجاري إلى مصدر عدوان مباشر، تمتلك الإمارات فرصة تاريخية — وهي في موقع فريد يجعلها قادرة على تقويض "اقتصاد المقاومة" الإيراني الذي يعتمد عليها أكثر من أي مكان آخر.
وقد تكون هذه الورقة الرابحة مفتاح "يوم النزول الاقتصادي"
الذي يقوده ترامب.
